عن البرود العاطفي والفقر الإنتاجي: خديعة “Like a Palette”
إذا كانت هناك منافسة على أشد الأعمال الدرامية في جلب الملل والمط، فإن مسلسل “Like a Palette: All Eyes on Jane” يدخلها بكل جدارة ليتصدر القائمة.
هذا المسلسل القصير المقتبس عن رواية للكاتبة زيزيهو – يعتبر نموذجاً صارخاً لـ “الدراما الاستهلاكية التجارية” التي صُنعت على عجالة للاستفادة من شعبية تصنيف (GL)، ليخرج للمشاهد بمنتج هجين يجمع بين السطحية، والافتعال، والملل القاتل.

فكرة واحدة مكررة
يبني المسلسل صرحه الدرامي الهش على مغالطة واحدة يكررها حتى الإغفاء: الطالبة المستجدة “جين” التي تقتنع – لمجرد أنها شاهدت الكثير من المسلسلات – بأن تقرب رئيسة رابطة الكلية “داي” منها، وابتسامها لها، ما هو إلا عداء شديد ومحاولة إزعاجها!
هذه المزحة الصغيرة التي قد تصلح كموقف كوميدي لمدة 10 دقائق في حلقة واحدة، تم إطالتها وتمديدها بأسلوب مفتعل ومضجر على مدار ٦ حلقات متتالية. إنها محاولة مكشوفة لاستغلال التقاليد الكلاسيكية للحب القائم على “المفهوم الخاطئ”، لكن دون إعطاء الشخصيات أي عمق إنساني يجعل تصرفاتهم منطقية أو مقبولة لمن يتجاوز عمره سن العاشرة.

رداءة إخراجية وتخبط فني
على الصعيد البصري والتقني، ينكشف الفقر الإنتاجي لشركة الإنتاج (WonderLife Entertainment) والمخرج “بومب أسادجون” بشكل لا يمكن تغاضيه.
يعاني العمل أولاً من زوايا تصوير غريبة ومزعجة لا تخلو من الهواية، وكأنها تجارب قص وتلصيق تشتت المشاهد بدلاً من أن تخدم الكادر. او ربما مدير التصوير لازال يتعلم التصوير وأعتبر هذا المسلسل هو اول تجربة!
ويزداد الوضع سوءاً بالإقحام المبالغ فيه والمفرط للموسيقى والتأثيرات الصوتية الكوميدية في كل لقطة وحركة، في استهلاك رخيص يحاول انتزاع الضحكات قسراً وتعويض فقر النص وخلوه من أي كوميديا حقيقية أو مواقف مبتكرة.
كما يفاجأ الجمهور في عمل لا يتجاوز 8 حلقات بعدد كبير من الشخصيات الجانبية والخطوط الفرعية التي تُفتح فجأة وتُغلق بتسرع دون أي بناء أو خاتمة منطقية.
بينما تأتي السقطة الكبرى المتمثلة في استعمال الذكاء الاصطناعي؛ ففي مفارقة ساخرة ومستفزة، يفترض ان البطلة طالبةً في كلية الفنون الجميلة، ومع ذلك استسهل فريق الإنتاج الميزانية واعتمد على رسومات مجانية صُنعت بالذكاء الاصطناعي بدلاً من الاستعانة بفنانين حقيقيين، وهو ما يعد إهانة مباشرة للفن في عمل يتخذ “لوحة الألوان” عنواناً له.

غياب الواقعية البصرية
تصل العبثية الإخراجية والافتقار إلى أدنى معايير المصداقية البصرية إلى ذروتها في مشاهد النوم والاستيقاظ.
تظهر البطلتان في خضم اللحظات التي يفترض أن تكون الأكثر عفوية وخاصة – كاستلقائهما في السرير ليلاً أو الاستيقاظ في الصباح الباكر – بمكياج كامل ومتقن، بداية من ماسكرا العينين الواضحة وأحمر الشفاه الفاقع، وصولاً إلى طبقات كريم الأساس المصقولة، وكأنهن يستعددان لصعود سجادة حمراء لا للاستغراق في النوم!
هذا الإصرار السطحي على الحفاظ على “صورة الموديل المثالية” على حساب التلقائية والواقعية يحول اللحظات التي يفترض بها أن تعكس القرب والدفء البشري إلى استعراض شكلي مزعج.
إن رؤية بطلة تستيقظ من النوم بشعر مصفف عناية ومكياج سهرة ساطع لا تكسر إيهام المشاهد بالواقعية فحسب، بل تجعل تلك المشاهد أشبه بإعلانات مستحضرات التجميل التجارية، مما يزيد من حالة الغربة والآلية التي تغلف المسلسل وتجرّده من أي إحساس بالصدق أو التلقائية.

الجفاف العاطفي
من المفترض أن تشكل الكيمياء العاطفية والحميمية بين البطلتين العمود الفقري لأي دراما تنتمي لتصنيف “حب الفتيات”، إلا أن المسلسل يمنى بفشل ذريع في تصوير أي شرارة رومانسية أو انجذاب جسدي ونفسي حقيقي. ويتجلى هذا الجفاف في الأداء التمثيلي المتصلب لـ “تونغ فاه” والتي تقدم شخصيتها ببرود ملحوظ وتعبير آلية تفتقر لأدنى درجات التلقائية، مما يضع الممثلة “بريكينغ” في موقف محرج وهي تحاول بمفردها الضخ العاطفي في مشاهد تعاني موتاً سريرياً من الطرف الآخر.
ويزداد هذا البؤس الفني وضوحاً عند الانتقال إلى مشاهد التلامس والمودة؛ فبدلاً من أن تعكس اللحظات الحميمية أو الرومانسية عمق المشاعر والتوق المتبادل، تظهر تلك اللحظات وكأنها “واجبات تصويرية” تؤدى بآلية ميكانيكية بحتة. تبدو حركة الأجساد متخففة من الحرارة، والنظرات خاوية من الانجذاب، وكأن البطلتين تؤديان حركات جافة جرى التدريب عليها بلغة التعليمات لا بلغة الإحساس.
وحتى بعد الاعتراف بالحب – اللحظة التي يفترض أن تتدفق فيها العاطفة – يتضاعف الجفاف الحميمي بطريقة تدعو للعجب؛ إذ يتحول الثنائي فجأة إلى ما يشبه روتين زوجين يعيشان في حالة انفصال عاطفي، حيث تفتقر مشاهد العناق أو اللمسات المتبادلة في الغرف المغلقة إلى أي حميمية أو شغف، وتغيب عنها تماماً الشاعرية والحرارة التي تعطي للدراما الرومانسية قيمتها ومصداقيتها. وينتهي الأمر بمشاهد حميمية وعاطفية باهتة لا تثير لدى المشاهد سوى شعور بالإحراج والملل، وتؤكد أن العمل أخفق حتى في تقديم القشرة العاطفية التي يدعي التسويق لها.

الحسنة الوحيدة في عمل مهلهل
وسط هذا الركام الدرامي والتخبط الفني، تبرز شخصية “أم جين” كالحسنة الوحيدة ونقطة الضوء الفريدة التي تتسلل من بين ثنايا هذا النص المهلهل، لتنتزع الصدارة وتثبت أنها البطلة الحقيقية للعمل بلا منازع.
قدمت شخصية الأم نموذجاً إيجابياً ومشرقاً للأمومة الواعية القائمة على القبول المطلق والمحبة غير المشروطة؛ فلم تتردد لحظة في الوقوف كحائط صد منيع لحماية أطفالها، والذود عنهم بصلابة وشجاعة أمام تنمر الجيران وإدارة المدرسة.
ويتجلى هذا النبل الإنساني في أنصع صوره من خلال احتضانها الصادق لولدها المتحول جنسياً، ودعمه نفسياً واجتماعياً دون خوف أو خجل من الوصمة المجتمعية. لقد أضفت هذه الأم الدفء والمصداقية الإنسانية التي افتقر إليها المسلسل برمته، وكأن العمل بأكمله لم يُنقذ إنسانياً إلا بفضل تلك اللحظات القليلة التي أظهرت المعنى الحقيقي للحماية والاحتواء الأسري.
الخلاصة..
مسلسل “Like a Palette” ليس سوى منتج استهلاكي سريع كُتب وتم إخراجه بمنطق “الحد الأدنى من المجهود”.
إنه كتلة من الملل والفشل في أبهى صوره، يقدّم للألوان ألواناً باهتة، وللرومانسية بروداً جاثماً، وللمشاهدين تجربة مكررة ومملة تستهدف إرضاء جمهور سطحي دون تقديم قيمة فنية أو درامية تُذكر.

