تلفزيون

مسلسل برتبة فقاعة: Enemies with Benefits .. اين ذهب النص ؟

مع التحول الراديكالي العنيف الذي صاحب صعود دراما الـ GL في السنوات الثلاث الأخيرة، تحولت الإنتاجات المستقلة المحدودة إلى صناعة تسويقية ضخمة تخاطب قواعد جماهيرية عابرة للحدود.

وفي ظل التسارع الإنتاجي بحثًا عن الربح السهل، باتت العديد من الشركات تراهن بصورة شبه كاملة على القوة الشرائية للجماهير، والاعتماد المفرط على جاذبية الأبطال الخارجية أو ما يُعرف في أوساط المتابعين بـ “بطاقات الوجوه” (Face Cards)، كبديل عن الاستثمار الفعلي في النص السينمائي والرؤية الإخراجية المتماسكة.

من هذا المنطلق، برز مسلسل “Enemies with Benefits” كأحد أكثر الأعمال التي أحيطت بضجة إعلامية وهالة تسويقية مكثفة.

فقد وُعد الجمهور بمسلسل ينتمي إلى دراما المكاتب المعاصرة، يدمج بين الصراع المهني الشرس، والتوتر العاطفي الناجم عن معادلة “التحول من أعداء إلى عشاق” في إطار علاقات المصلحة.

غير أن العرض الفعلي عبر الحلقات العشر أظهر هوة سحيقة بين الوعود البراقة للحملات الترويجية والمنتج الفني النهائي.

بنظرة متفحصة على العمل، نجده يجد طريقه بمنتهى السلاسة إلى الرف البعيد للأعمال التي لن يتذكرها أحد سوى بانها (Overrated)؛ حيث تم التغطية على هشاشة البناء الدرامي، والضعف التقني البصري، بالاندفاع العاطفي للقواعد الجماهيرية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي يستدعي تفكيك نقاط الخلل الفني التي شابت المسلسل في مختلف مجالاته.

أولاً: خديعة العنوان

يتمثل الخلل الأكبر الأول في المسلسل في التخلي المبكر وغير المبرر عن الفرضية التي صيغ على أساسها العنوان وعُقدت بناءً عليها الرهانات التسويقية.

فقد روجت الحملة التسويقية للمسلسل فكرة وجود عداوة شرسة وتنافس مهني حاد بين الشخصيتين الرئيسيتين (لال ووين) داخل أروقة شركة الإعلانات.

إلا أن السكريبت اختزل هذا التنافس في خلاف سطحي وسريع خلال اجتماع مجلس الإدارة في الحلقة الأولى، لينتهي الصراع المهني كلياً ودون أي تمهيد درامي منطقي، متحولاً إلى علاقة رومانسية مائعة وودية للغاية.

وما اصاب هيكل المسلسل في مقتل كان تخلي القصة عن ميزة “تبديد التوتر الدرامي” (Dramatic Tension) وهي الميزة التي كان يعتمد عليها النص ..  التناقض بين الكراهية المعتمدة على الموقف المهني والانجذاب العاطفي/الجسدي.

وبما أن الكاتب ألغى جانب “العداوة” في مرحلة مبكرة جداً، فقد فقد المسلسل شريانه الحيوي، وتحول النصف الثاني من العمل إلى متوالية من المشاهد المشبعة بالرومانسية التقليدية والتي تفتقر إلى أي حافز درامي حقيقي أو صراع داخلي يشد انتباه المشاهد.

ثانياً: التداعي الهيكلي

عانت البنية السردية للعمل من انقسام حاد وتخبط واضح في النبرة الإيقاعية بين نصفه الأول ونصفه الثاني، مما عكس غياب الخطة الدرامية المكتملة لدى كتاب السيناريو.

في الحلقات (من 7 إلى 9)، تحول المسلسل بشكل مفاجئ وغير متناسق من دراما رومانسية خفيفة في بيئة العمل إلى ميلودراما نفسية ثقيلة.

وكان إقحام شخصية “كورن” وماضيها المأساوي مع وين بمثابة حيلة كتابية مكررة لاستهلاك الوقت، حيث تم تمطيط العقدة على مدار ثلاث حلقات كاملة، في حين كان من الممكن اختزالها وتفكيكها في حلقة واحدة دون الإخلال بالسياق العام.

والجريمة الاكبر التي ارتكبها كاتب المسلسل كانت تجريد الشخصية الرئيسية من الفاعلية (Character Agency)، حيث أدى التعاطي السطحي مع الصدمات النفسية السابقة لشخصية “وين” إلى تحويلها من امرأة مهنية قوية ومستقلة—كما قدمها المسلسل في البداية—إلى ضحية مسلوبة الإرادة، عاجزة عن اتخاذ القرارات، وتنتظر بشكل دائم التدخل الخارجي من “لال” لإنقاذها.

وهذا النمط من الكتابة يعيد إنتاج الصور النمطية المبتذلة، ويفرغ العلاقة من ميزان القوى المتكافئ الذي يفترض أن يقوم عليه بناء العلاقات المعاصرة في الدراما.

ثالثاً: “الفان سيرفيس” أولاً.. والدراما أخيراً

بدلاً من بناء النص اعتماداً على التطور الطبيعي للشخصيات والدوافع النفسية، ذهب المسلسل للحيَل التسويقية السريعة من خلال الإفراط في تقديم ما يُعرف بـ “الفان سيرفيس” (Fan Service)، وهو تقديم المشاهد الحميمة أو اللطيفة لغرض إرضاء المتابعين دون توظيف درامي حقيقي.

وجاء الاهتمام بالتسويق الفارغ على حساب عناصر فنية اخرى كانت ستساعد العمل فعليا على ترك اثر جيد، مثل الخط الدرامي للثنائي الثانوي (Tangkwa & Proud).

فعلى الرغم من امتلاك الممثلتين لكاريزما عالية حضورية، إلا أن خطهما الدرامي تعرض لظلم كتابي فادح؛ و تم اختزال علاقتهما في تكرار مشاهد التقارب الجسدي والقُبلات بشكل مجاني لعدة مرات، دون إعطاء المشاهد أي خلفية درامية عن تاريخ الشخصيات، أو دوافعهن، أو تحولاتها النفسية، مما جعل وجودهن مجرد أداة لتزيين العرض وحشد المقاطع القصيرة لشبكات التواصل الاجتماعي.

وما زاد الطين بلة كان إهدار قدرات طاقم التمثيل المساعد، حيث تم تهميش قدرات تمثيلية تمتلك إمكانيات واضحة (مثل جيمي وميدساي)، و حُصرت أدوارهن في تقديم الفكاهة السطحية أو ملء الفراغ الزمني في المشاهد الخلفية، دون أن يمتلكن أي تأثير ملموس على العقدة الدرامية أو سير الأحداث الرئيسية.

رابعاً: العيوب التقنية والإخراجية

على الصعيد التقني والفني، عاكس الإخراج والمونتاج تطلعات الجمهور وميزانية العمل المفترضة، وسجل المسلسل سقطات بصرية متعددة .. نعرضها كالتالي :

  • التنافر في التلوين البصري (Color Grading): ظهر اضطراب شديد في درجات ألوان المشاهد؛ إذ اعتمد المخرج في العديد من اللقطات—حتى تلك التي تتسم بنبرة كوميدية أو لطيفة—على فلتر أزرق بارد ومظلم (Moody Blue Gradient)، وهو نمط يُستخدم عادة في مسلسلات الجريمة والإثارة النفسية. هذا التنافر الصارخ بين المضمون العاطفي الكوميدي والجو البصري التجريبي المظلم أوجد حالة من التشتت والنفور البصري لدى المشاهد.
  • سوء التأطير والتكوين الإخراجي (Framing & Blocking): شهدت الحلقات الأخيرة خطايا إخراجية فيما يتعلق بزوايا التصوير وتوزيع العناصر داخل الكادر. فقد كُررت مشاهد عاطفية حاسمة يُفترض أن تركز على تعابير وجوه الممثلات، بينما حجبت قطع أثاث وديكورات ضخمة أجزاءً واسعة من الشاشة (كما حدث في مشهد زيارة والدة وين). هذا البناء الكادري المعيب عكس استعجالاً في التصوير وغياباً للرؤية الجمالية الدقيقة.

التقييم النقدي المفصل لعناصر العمل

  • السكريبت والحبكة: يستحق تقييم 5.5 من 10. وعاب القصة التخلي السريع عن الفرضية الأساسية للصراع المهني، واللجوء إلى الحلول السردية السهلة، إلى جانب التمطيط الملاحظ في عقدة “كورن” خلال الحلقات الأخيرة.
  • الأداء التمثيلي: يستحق تقييم 7.5 من 10. قدمت البطلتان (لال ووين) أداءً جيداً واستطاعتا خلق كيمياء ثنائية مقبولة، لكن محدودية السكريبت وصفاقة الحوارات حدّت من إمكانية تعميق الشخصيات أو إظهار قدرات تمثيلية مركبة.
  • الإخراج والتصوير: يستحق تقييم 6.0 من 10. شاب العمل أخطاء في زوايا التصوير وتأطير المشاهد العاطفية، بالإضافة إلى وجود اختلال واضح في هرمية التلوين البصري وتنسيق الإضاءة.
  • الإيقاع والمونتاج: يستحق تقييم 5.0 من 10. عانى المسلسل من انتقالات حادة وغير متدرجة بين الكوميديا الرومانسية والميلودراما النفسية، مما أربك البناء الدرامي العام.
  • التسويق والدعاية: يستحق تقييم 9.5 من 10. حققت الحملات الترويجية نجاحاً باهراً في صناعة الضجة الإعلامية (Hype)، واستغلال الشغف الجماهيري للتغطية على أوجه القصور الفني المباشر.

الخلاصة ..

إن المسلسل التايلاندي “Enemies with Benefits” يقدم نموذجاً مثالياً للأعمال التي تُصنع داخل أروقة الأقسام التسويقية قبل أن تُكتب في ورش السيناريو.

لقد نجح المسلسل تجارياً وجماهيرياً في تحريك محركات البحث وحصد ملايين المشاهدات، بفضل القوة الجاذبة لبطلاته والتعطش الجماهيري لهذا التصنيف من الدراما، لكنه من المنظور الفني والسينمائي التجردي يظل عملاً ضعيفاً للغاية ولم يستطع الصمود أمام الاختبارات الفنية البسيطة.

سقط العمل في فخ “التقييم المبالغ فيه” لأنه ضحى بالتماسك السردي، والعمق النفسي للشخصيات، والجودة البصرية، في سبيل الاستهلاك السريع والمشاهد المصممة للانتشار الفيروسي.

مع هذا، يظل المسلسل خياراً ممتعاً لمن يبحث عن تسلية بصريّة خفيفة وغير مجهدة ذهنياً، ولكنه يشكل إنذاراً لصناع الدراما بأن الاعتماد على الدعاية والتسويق وحده لن يبني أعمالاً خالدة في ذاكرة اي إنسان.