من باريس إلى ألمانيا.. كيف تفهم الابتسامة على طريقتين؟
بعد تجربة سنوات طويلة في ألمانيا، تجلت لي أثناء جولتي في باريس مفارقة طريفة؛ فالألمان والفرنسيون رغم التزاماتهم المشتركة تجاه الاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة وحتى تذمرهم المتبادل من انغلاق السماء بالغيوم، إلا أنهم يقفون على طرفي نقيض في مسألة جوهرية تتجلى في رسم الابتسامة على الوجوه.
تتجول في أرصفة باريس فتتلقى التحايا المبتسمة من غرباء لا يربطك بهم سابق معرفة؛ البائع في دكانه، والطهي والنادل في المقهى، وحتى المار الذي تدنو من التعثر به على المحطة يمنحك ابتسامة دافئة توحي وكأنكما شريكان في ذكريات قديمة.
أما الموقف في ألمانيا فيخضع لمعايير مختلفة تمامًا؛ إذ قد تُبادر بالابتسام لأحدهم داخل مقصورة القطار، فيرمقك بنظرة تساؤل حذرة ترسم على ملامحه استفسارات مبهمة حول دوافعك، وكأن الأمر يتطلب إذنًا رسميًا أو تصريحًا قانونيًا للابتسام لغريب.
ومع طول الإقامة هناك، تدرك أن تلك الجدية لا تعكس خصومة أو استياء، بل هي الملامح الاعتيادية اليومية.
الابتسامة عند الفرنسي تشبه انتشار أريج المخبوزات الطازجة في الصباحات الباكر، بينما يبقيها الألماني لمناسبات استثنائية؛ كعقد قران، أو التقاعد، أو عند استلام إشعار رسمي ينفي وجود ديوانية مستحقة.
تلك اللمسة الباريسية تمنحك شعورًا لحظيًا بالارتياح والتقدير، حتى وإن اختفت الصورة بعد دقائق، بينما الألماني قد يحفظ لك الود ويبذل العون عند الحاجة، مع الوقوف بوجه صارم ونبرة مقتضبة تكتفي بعبارة تقريرية قصيرة، توازي في ثقافة تلك البلاد أعمق صور التقدير والامتنان.

