فلوس

7500 جنيه لتذكرة الحفل.. مسرح سيد درويش يحول عمر خيرت إلى مشروع استثماري

لم يعد خافياً على أحد أن المؤسسات الثقافية الرسمية قد خلعت ثوب الرسالة التنويرية والدعم المجتمعي، لتكتسي بعباءة الرأسمالية المتوحشة والتربح الجشع. وما يحدث في حفل الموسيقار الكبير عمر خيرت، المقيم على مسرح “سيد درويش” التابع لأكاديمية الفنون احتفاءً بذكرى الموسيقار الراحل أبو بكر خيرت، ليس سوى تجسيد صارخ لهذه التحولات الفجة.

أرقام فلكية في وجه مواطن يصارع الغلاء

يكفي أن تنظر إلى جدول أسعار التذاكر المعلنة لتدرك حجم الفجوة والعزلة التي تمارسها مؤسسات رسمية يُفترض أن تكون ملكاً للشعب:

  • تذاكر البنوار/القصور (Lodges): تباع بسعر خيالي يصل إلى 7,500 جنيه مصري.
  • الصف الأول (First Row): تباع التذكرة بـ 4,500 جنيه مصري.
  • الفئة الملكية (Royal): تصل إلى 3,500 جنيه مصري.
  • الفئة البلاتينية (Platinum): بـ 3,000 جنيه مصري.
  • الفئة الذهبية (Gold): بـ 2,000 جنيه مصري.
  • الفئة الفضية (Silver): وهي أقل فئة متاحة، تقف عند 1,000 جنيه مصري.

كيف لمواطن مصري مطحون، تنكوي أضلاعه يومياً بنار الأسعار والارتفاعات المتتالية لمقومات الحياة الأساسية، أن يفكر حتى في الاقتراب من أبواب مسرح رسمي تدعمه الدولة من أموال الضرائب؟

هل أصبحت الفنون الراقية والموسيقى الجادة حصراً على طبقة معينة، بينما يُترك بقية الشعب للضوضاء والرداءة؟

 

التسقيع الثقافي والتجاهل الإعلامي

إذا كانت المؤسسات الثقافية قد قررت إغلاق أبوابها أمام الغالبية العظمى وتحويل صالاتها إلى مساحات ربحية، فأقل ما يمكن تقديمه للجمهور العريض هو البث المباشر عبر التليفزيون المصري.

إن تقديم هذه الفعاليات كخدمة مجانية على الشاشة الوطنية ليس مجرد “منّة”، بل هو أضعف الإيمان وأقل واجب وطني لإتاحة الفن الرفيع لعموم الشعب.

أما التحجج بتكلفة النقل الباهظة، فهو عذر مردود عليه؛ إذ يمكن تغطية هذه التكاليف وتحقيق أرباح إضافية وسريعة من خلال البث الرقمي المباشر عبر المنصات الحديثة مثل “يوتيوب” والإعلانات الرقمية.

ضريبة الشلل المروري وإزعاج السكان

ولا تتوقف الأزمة عند أسعار التذاكر والبث، بل تمتد لتلقي بظلالها على البيئة المحيطة بمسرح سيد درويش.

فمن المتوقع أن تتكدس المنطقة بسيارات السادة القادرين على دفع آلاف الجنيهات لحضور الحفل، مما يحول شوارع أحيائهم إلى جحيم مروري.

إن سكان المنطقة المحيطة — ومعظمهم من أبناء الطبقة الوسطى التي تراجعت خطوطها المعيشية بشكل حاد — يجدون أنفسهم مطوقين بالزحام والإزعاج والضوضاء دون أي مراعاة. أقل تعويض أخلاقي ومجتمعي يُقدم لهؤلاء السكان، وللمواطنين كافة، هو إتاحة نقل الحفل مجاناً على الهواء مباشرة، بدلاً من جعلهم يدفعون ثمن إزعاجهم مرتين: مرة من راحتهم اليومية، ومرة من حرمانهِم من الفن الذي يُقام على أرضهم.

إن تحويل المناسبات الثقافية الوطنية إلى حلبة للمزايدة المادية يفرغ الثقافة من مضمونها التنويري. حان الوقت لتتذكر إدارة أكاديمية الفنون والمؤسسات الثقافية والتليفزيون المصري أن الفن الرفيع حق أصيل لكل مواطن، وليس امتيازاً لقلة تملك آلاف الجنيهات!