فرنسا على حافة الهاوية: هل يقع الشباب المسلم في فخ الاستقطاب قبل رئاسات 2027؟
ما نراه اليوم في شوارع فرنسا يتجاوز بكثير كونه مجرد احتجاجات تقليدية على ارتفاع الأسعار، أو تدهور قطاع التعليم والخدمات العامة.
فما يدور في العاصمة والمدن الفرنسية هو صراع سياسي ضارٍ على السيطرة على الشارع، طرفاه الأساسيان هما أقصى اليمين وأقصى اليسار، في معركة تُدار بحسابات دقيقة وقبل ستة أشهر فقط من موعد الانتخابات الرئاسية المرتقبة في أبريل 2027.
هذه الانتخابات تشهد مشهداً سياسياً متأزماً؛ إذ تمنح استطلاعات الرأي الأفضلية لـ مارين لوبان (زعيمة اليمين المتطرف) وجان لوك ميلونشون (زعيم اليسار المتطرف) للتأهل إلى الجولة الثانية، مستغلين حالة الغضب الشعبي العارمة ضد الرئيس إيمانويل ماكرون ومعسكره، وضنكَ الأحزاب التقليدية بشقيها.
شرارة الاحتجاجات: بين المطالب العادلة والفوضى الممنهجة
بدأت القصة بمشاهد مألوفة في الشارع الفرنسي؛ مألوفة ولكنها محملة بالألم: مئات الآلاف من الطلاب، والنقابات، وحركة “السترات الصفرا” خرجوا في تظاهرات واسعة النطاق للتعبير عن سخطهم من جحيم الغلاء وسوء بنية المدارس والخدمات.
كان الغالبية العظمى من هؤلاء المحتجين يرفعو شعارات سلمية ومشروعة، غير أن دخول مجموعات راديكالية مثل “الكتل السوداء” والأناركيين التابعين لليسار المتطرف على الخط، غيّر وجه المظاهرات تماماً. تحولت الشوارع إلى ساحات حرب مصغرة شملت:
- حرق مبانٍ رسمية تاريخية (مثل بلدية ليموج).
- عمليات نهب واسعة للمتاجر.
- مواجهات شرسة مع قوات الأمن أفرزت آلاف الاعتقالات ومئات الإصابات في صفوف الشرطة.
اللعبة الكبرى: صراع الأجنحة على “وقود الشارع”
تتجسد دهاقنة السياسة الفرنسية اليوم في كيفية توظيف هذه الفوضى:
- اليمين المتطرف (لوبان والتجمع الوطني): يقتنص هذه المشاهد بحرفية ليقدم نفسه طوق النجاة، والحارس الأوحد للنظام، والأمن، والهوية الفرنسية، ملقياً باللوم كاملاً على اليسار المتطرف والجاليات المهاجرة.
- الليسار المتطرف (ميلونشون وحزب فرنسا الأبية): يدعم الاحتجاجات ويوجه أصابع الاتهام للدولة والشرطة، ساعياً لتحويل الغضب المجتمعي إلى مقاعد انتخابية مضمونة ورصيد سياسي يخدم طموحاته.
الفخ المنصوب للشباب المسلم وأبناء الضواحي
في قلب هذه العاصفة، يقف بعض شباب الجالية المسلمة وأبناء الضواحي الضائعة بين مطرقة التهميش وسندان الاستغلال.
يندفع هؤلاء الشباب إلى الشارع مدفوعين بإحباط واقعي ومرير يعكسونه في البطالة، والتمييز، وغياب الفرص، أو متأثرين بخطاب “الإسلامو-يساري” الذي يخلط عمداً بين قضاياهم المعيشية ومطالب الهوية والصراع في فلسطين. ولكن النتيجة المرّة هي أن هؤلاء الشباب يتحولون إلى مجرد “وقود” لمعركة لا تخصهم من الأساس.
لماذا يُعد هذا الواقع فخاً خطيراً؟
- تشويه القضية: العنف الممارس يقضي على شرعية المطالب الاجتماعية ويفرغها من مضمونها.
- خدمة الخصوم: يمنح اليمين المتطرف الذريعة الذهبية لتشديد خطابه المعادي للهجرة والأمن المفرط.
- تأجيج الصور النمطية: يعمّق في الوعي الجمعي الفرنسي صورة “الشاب المسلم العنيف”.
- تحقيق غاية المخططين: يخدم أطرافاً لا تقيم وزناً إلا لمكاسبها الانتخابية الضيقة.
لا تقف في مرمى النيران!
المطالب الاجتماعية في فرنسا حقيقية، والغضب الشعبي مبرر ومشروع تماماً.
لكن تحويل الشارع إلى حلبة صراع بين متطرفين لن يرمم مدرسة متهالكة، ولن يخفض أسعار السلع المرتفعة، بل سيجرّ فرنسا نحو استقطاب مجتمعي شديد الخطورة، ويجعل أبناء الجالية المسلمة أول الضحايا وأكثرهم دفعاً للثمن.
إن من يشارك في أعمال الحرق والنهب والمواجهة لا يدافع عن كرامة ولا ينتصر لعدالة، بل يقدم لخصومه السياسيين أقوى الأسلحة لضرب مجتمعه في عمق استقراره ومستقبله.

