أمينة خليل والتنصل من النسوية: امتيازات الشهرة في كفة ومبادئ النضال في كفة
شهدت فعاليات مهرجان الجونة السينمائي نقاشات مكثفة حول قضايا المرأة ودور الفن، إلا أن تصريحات الفنانة أمينة خليل أثارت موجة عارمة من الانتقادات الحادة بعد أن تنصلت بشكل أو بآخر من هويتها النسوية المعلنة، مقررة إطلاق عبارتها الشهيرة بأنها “مش فيمينست أوي”، متناسية تماماً أن حضورها الفني وتألقها وصوتها الظاهر في المجتمع مدين بالفضل الحقيقي للحركات النسوية التي عبدت لها الطريق ودافعت عن حقوقها وحرياتها في مواجهة التيارات الرجعية والردة الفكرية.
تأتي هذه التصريحات المخيبة للآمال لتكشف عن تناقض صارخ بين الاستفادة المطلقة من المكتسبات التي حققتها الحركة النسوية لصالح تمكين النجمات على الشاشة، وبين التخلي الرخيص عن هذه المبادئ عند أول اختبار علني، والاكتفاء بالسباحة في بحر الامتيازات المتاحة دون دفع الاستحقاق الفكري أو الأخلاقي لمناصرة قضايا المرأة بجدية ودون مواربة.
إن الانفصام الذي تعيشه بعض الأسماء الفنية البارزة في المهرجانات الكبرى بات ظاهرة تستوجب التوقف والتأمل القاسي، فعندما تخرج فنانة بحجم أمينة خليل لتعلن على الملأ أنها “ليست نسوية بالشكل الكافي”، فإنها ترتد بوضوح عن السند الحقيقي الذي يحمي ظهورها وأزياءها وحرياتها الشخصية في المحافل العامة، حيث تقف الأصوات النسوية الحقيقية في خط الدفاع الأول لحماية حق الفنانات في اختيار أزيائهن ومواجهة حملات الوصاية المجتمعية والسلفية المتشددة.
ولا يمكن فصل هذا الموقف عن حالة النفاق الجماعي التي تمارسها الدوائر الفنية، فهي تتشدق بالدفاع عن الحريات ومهاجمة المجتمع القامع، بينما تتغاضى تماماً عن الأعمال الدرامية والسينمائية التي تكرس لعنف الذكور ضد النساء، وتبرر قتلهم وتعنيفهم عمالً على بطال تحت غطاء الدراما الواقعية. والأدهى من ذلك هو التناقض المعيب في الاحتفاء بالمطبعين وتبييض صفحاتهم، أو استقبال صناع الأعمال المتهمين بقضايا تحرش وعنف في لوكيشن التصوير وكأنهم أبطال منتصرون يتم استقبالهم استقبال الفاتحين في الورش والماستر كلاسز.
إن الخطاب الفني الحالي يحتاج إلى مراجعة جذرية وعقلانية بعيداً عن الشعارات المزيفة التي تنادي بالحريات من جانب، وتكرس للوصاية من جانب آخر، كما ظهر جلياً في استذكار مواقف سابقة تكرس لقهر المرأة والتحكم في تحركاتها واعتبارها مجرد أداة طيعة تحتكرها مشاعر الزمن الجميل. فالنسوية ليست شعاراً موسميًا يُرفع على السجادة الحمراء للتجمل الإعلامي، بل هي التزام حقيقي ومبدئي برفض كافة أشكال القمع والاستغلال، صوناً لكرامة المرأة داخل الاستوديو وخارجه.

