المطبلاتية .. تامر حسني وأحمد السقا وعادل امام وآخرون
الطبلة والطبال .. علاقة خاصة جدا يحكمها الحس والموهبة التي لا تخلو من الذكاء .. يحنو الطبال على طبلته فتستشعر أنامله الرشيقة ما تريده منه تلك الساحرة بالضبط .. تصرخ بشوق فيرفع ايقاعها إلى أعلى درجاته ليتراقص معه المستمعون.. تتمعن وتتدلل عليه فيغازلها بهدوء (يا واش يا واش) وهكذا تستمر العلاقة بين الطبلة والطبال.. شد وجذب وفقا لما يطلبه المستمعون ولكن يبدو أن طبالين العصر لا يملكون تلك الموهبة التي جسدها الراحل أحمد زكي في فيلم الراقصة والطبال).. يفتقدون القدرة على اللعب بالايقاع ولا يملكون سوى مقطوعة موسيقية واحدة راقصة يلعبونها في الأحزان والأفراح .. مقطوعة التأييد والمبايعة سواء لمن يدفع أكثر .. لمن يملك القوة.. لمن يملك الشعبية .. او بمعنى أدق لمن يملك المرحلة ولهذا لم يكن غريبا أن تبدأ فرقة الرقص والعزف الانتهازي المشهورة باسم (المطبلاتية) في ركوب زفة ٢٥ يناير بل وإطلاق النار على الماضي بمنطق الفرح فرحنا والثورة ثورتنا والجيل ده ولادنا واخواتنا .. بالرغم من أنهم كانوا لوقت قريب الراعي الرسمي للتطبيل الوطني..
مقطوعة التطبيل الأولى كانت من عزف الدكتور مصطفى الفقى سكرتير الرئيس السابق للمعلومات ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشورى والعضو السابق في الحزب الوطني وربما كلمة السابق هي مربط الفرس خاصة أن استقالة الفقى من الحزب جاءت منذ أيام وتحديدا مع ظهور ملامح سقوط النظام.
طبلة الفقى كان ايقاعها صاخبا في كل الأحوال، فالدكتور الذي هاجم الحزب والنظام بشراسة منذ أيام هو أيضا صاحب التصريح الشهير ( اللي يترشح قصاد الرئيس مبارك في الانتخابات ببقى قليل الأدب) مصادرا حقا سياسيا أصيلا لأى مصرى بحجة قلة الأدب.. ليس هذا فقط فهو نفسه أيضا أحد السياسيين الذين باركوا ولو بالصمت خطة توريث الحكم في مصر في الوقت الذي كان ينفى فيه عن نفسه دائما تهمة (ركوب طائرة جمال) كما سماها في أحد تصريحاته الصحفية.
بعد كل هذا التاريخ الطويل من النضال في حب النظام السابق ذهب الدكتور مصطفى الفقى لميدان التحرير بعد سلسلة الحوارات التليفزيونية التي هاجم فيها النظام منذ انطلاق جمعة الغضب، لدرجة أن أنس الفقى وزير الإعلام انتقده واتهمه بتذبذب المواقف مشككا في ذمته السياسية، ولكن يبدو أن الدكتور مصطفى الفقى لم يفق إلا في ميدان التحرير عندما ذهب لتأييد الثورة فاستقبله شباب الثورة الاستقبال المناسب.
نفس الاستقبال الحار الذي لاقاء الدكتور مصطفى الفقى في ميدان التحرير كان من نصيب عدد من النجوم محترفي التطبيل وفي مقدمتهم نجم الجيل – أى جيل بالظبط؟- تامر حسنى والذي خرج بتصريحات تليفزيونية طالب فيها الشباب بالعودة إلى منازلهم من أجل مصلحة البلد ولكن تصريحات تامر استفزت أغلب المتظاهرين في ميدان التحرير وكانت المواجهة عندما قرر تامر النزول إلى الميدان، وذلك بعد أن اتجهت بوصلة الأمور في صالح الثورة، ورغم نزوله هو ويعض البود جاردات إلى الميدان إلا أن حراسه لم يتمكنوا من إنقاذه من بين أيدى الشباب لولا تدخل رجال الجيش وبعض المتظاهرين الذين هتقوا بأن الثورة سلمية ولا يجوز التعدى بالضرب على أى شخص سواء مع أو ضد الثورة.
الطريف والمثير أن تامر تم تصويره سواء بعلمه أو بترتيبه أو رغما عنه وهو يعترف أنه (انضحك عليه) وأنه تم توجيهه من قبل الحكومة ليقول هذه التصريحات على اعتبار أن شعبيته قد تؤثر على شباب التحرير وأنه لم يكن يفهم حقيقة الأمر وأنه فهم وجاء ليصالح الشعب.
تامر فهم متأخرا على طريقة زين العابدين بن على، ولكن موقف تامر أو اعترافه بعدم الفهم كشف عن ضحالة فكرية شديدة يعاني منها شاب يرى في نفسه رمزا لجيل خاصة أن نفس الحجة (ضحكوا علي) كانت مبرره السابق ايضاً في قضية الهروب من التجنيد، وكأنه يفقد أهليته ووعيه دائما في المواقف الوطنية، بينما يظل هذا الوعي والذكاء حاضرا دائما في حروبه الفنية …
موقف تامر في ميدان التحرير كان قصة الساعة في عدد من الفضائيات التي عرضت الكليب المضحك والذي ظهر فيه وهو يبكي بطريقة (تقطع القلب) وصفها البعض بالتمثيلية البايخة. حتى أن جريدة الديلي ميل البريطانية كتبت أن من أهم مكاسب الثورة طرد تامر حسنى من ميدان التحرير، وبالطبع أتوقع أن يكون رد تامر حسنى على ما كتبته الديلي ميل بأن عمرو دياب المتواجد في بريطانيا هو من وراء ذلك الخبر المغرض.
عموما تامر قرر المواصلة في التطبيل لإنقاذ شعبيته بتسجيل أغنية لشهداء ٢٥ يناير وكأن هذه الأغنية ستمحوا مشهد طرده من ميدان التحرير والذي سيظل مكتوبا في تاريخ ثورة الجيل على كل مدعي الجيل.
من تامر حسنى إلى أحمد السقا تبدو القصة متشابهة ولكن لماذا يتحجج النجوم دائما بقلة الفهم والوعي؟ ألم يدرسوا في مدارس أو يدخلوا جامعات ؟ ألم يحتكوا ببشر من مختلف المستويات والطبقات؟ ألم يشاهدوا حتى نشرات الأخبار؟ السقا الذي كان ظهوره في الفضائيات من النوادر والمناسبات ظهر مع عمرو أديب ليحفظ ماء وجهه بعد التصريحات التي هاجم فيها الثورة واتهامه للمتظاهرين بتعطيل حال البلد، والتي تسببت في هجوم الشباب عليه عندما زار الميدان التغيير موقفه.. وكالعادة ردد السقا عباراته الشهيرة بأنه مع الشارع قلبا وقالبا وأنه كان خائفا على أمن البلد وأنه كفنان مستعد أن يكون أداة توصيل لرأى الشباب ومطالبهم… ولا أعرف تحديدا ماذا كان السقا يعنى بكونه أداة توصيل وهو السؤال الذي طرحه عليه عمرو اديب ولم يتمكن من الإجابة عنه.. فهل الثورة التي وقف العالم أجمع ليتابعها تحتاج لما يسمى أداة توصيل ؟!
عموما قصة السقا والمظاهرات شهدت الكثير من الكواليس الغريبة، حيث أصدر السقا بيانا على موقع “في الفن” يؤكد فيه أن الشباب حملوه على الأعناق، بينما شاهد الجميع على الفيس بوك واليوتيوب صورا وفيديوهات توضح وجود شد و جذب و خلاف بينه وبين المتظاهرين، ولكن كل ذلك لا يضاهى في طرافته الخبر العجيب والمضحك الذي نشره موقع جريدة (مصر الجديدة) بأن السقا القي القبض على ٢٠ سجينا هاربا من سجنى وادى النطرون والفيوم… واسمحوا لي أن امتنع عن التعليق على هذا الخبر حفاظا على الآداب العامة.
بالطبع لا يمكن أن ننسى الزعيم في هذه المناسبة فلم لا؟ وهو صاحب الشعار الشهير في حملته الإعلانية (قوتنا مش في أننا نبقى واحد .. قوتنا في قوة كل واحد) بالطبع الزعيم نصير الغلابة وصاحب أكبر رصيد من الأعمال التي تسخر من الحكومة وتثير ضحك الشارع عليها، ولكن يبدو أن الزعيم في لحظة صدق مع النفس انحاز لقناعاته وهاجم المتظاهرين، وقال إن المظاهرات عبثية ولكن عادل إمام خرج لاحقا لينفى ذلك تماما مغيرا رأيه للنقيض بعد أن هوجم بعنف على موقفه. وعاد الزعيم ليدافع عن الشباب مؤكدا أنه محروم ومظلوم ولا يجد القدوة والاهتمام ومن حقه أن يعبر عن رأيه وان مظاهراته كانت سلمية، وأنه شخصيا سعيد بهم ولا بد من الاستماع لمطالبهم وتحقيقها وعلى الحكومة احترام المعارضة واحترام رأى الشباب.
اللافت للانتباه أن الزعيم هاجم كل من ركب الموجة وحاول التسلق على أكتاف ثور الشباب مؤكدا انها فرصة لخلق مناخ جديد في البلد ولكن الأهم ألا تقع في الفوضى والتخريب وانه فكر جديا في التظاهر مع الشباب لكنه خاف أن يتعرض لضربة لا يحتملها وهو في هذه السن !
هل تتصور في يوم ما أن تقرأ مانشيت الأهرام بالبنط العريض (الشعب أسقط النظام) ؟ بالطبع ليس كل صحافيي الأهرام على شاكلة أسامة سرايا رئيس تحرير الصحيفة الأعرق الأهرام في مصر، خاصة أن نفس الرجل كتب طوال السنوات الماضية للتهليل وتحية النظام والحزب، ولكن نفس رئيس تحرير كتب منذ أيام (مظاهرات حاشدة لتأييد مبارك) وهو المانشيت الذي اوضح بشكل كبير حالة الضبابية وعدم الثبات التي انتابت عددا كبيرا من قيادات الصحف القومية في قراءة واضحة وشفافة للشارع المصري.
السيد محمد على إبراهيم رئيس تحرير الجمهورية امتلك هو الاخر قدرة فائقة على التلون، فمن يتخيل أن الرجل الذي دافع عن النظام بشراسة لا نظير لها وتفرغ طوال السنوات الخمس الماضية للهجوم على الصحف المعارضة وما تكتبه في زاوية خاصة بالصفحة الأخيرة في الجمهورية، ولكن نفس القلم الذي هلل للتعديلات الدستورية التي خلقت مواد مشوهة مثل المادتين 76 و 77 هو نفس القلم الذي كتب منذ أيام وبشجاعة منقطعة النظير أن هاتين المادتين تم تفصيلهما على مقاس جمال مبارك .. سبحان مغير الاحوال.
أما السيد مجدي الدقاق رئيس تحرير مجلة أكتوبر فقد حمل لواء الدفاع عن الحزب الوطني عبر الفضائيات العربية ووسائل الإعلام الأجنبية.. الدقاق وزير خارجية الصحافة القومية له العديد من التصريحات اللطيفة مثل (انتخابات البرلمان تمت قي هدوء) وكأنه لم يشاهد او يقرأ متابعات الاعلام الغربي لهذه الانتخابات، وهو ايضا صاحب التصربح الشهير في موقع مصراوي (الحزب الوطني كسب لأنه نزل الشارع .. أمال نزل لخالتي؟) بل ووصف البرادعي بأنه مجرد سائح يزور مصر.
الدقاق عضو أمانة التثقيف في الحزب وطنى، هو أيضًا نفس الرجل الذي خرج مساء الجمعة على قناة العربية ليبارك الثورة التي جاءت من قلب الشباب وعبرت عما يجوب في الشارع المصري وانها ذكرته بأيام نضاله وكفاحه السياسي في المرحلة الجامعية، بل وطالب بفتح صفحة جديدة وهو ما أثار الإعلامي حافظ المرازي الذي أبدى دهشته من التحول الرهيب في موقف الدقاق.
كل هولاء في كفة ويبقى سيد علي وهناء السمري في كفة أخرى فايقاعاتهما التطبيلية بدت مقززة جداً خاصة انها جاءت بعد الانفراد العجيب الذي قدماه في بداية الثورة باستضافة صحفية أدعت انها ناشطة سياسية من شباب 25 يناير، وانها تلقت تدريبا على مواجهة الأمن في المظاهرات، وتلقت اموالا من جهات اجنبية، وهو اللقاء الذي اثار حالة من الجدل وضعت برنامج 48 دقيقة وقناة المحور في خانة التطبيل للنظام حتى آخر نفس وعندما نجحت الثورة جلس سيد وهناء ليباركا للشعب ويحتفلا لولا أن افسد أحمد عيد فرحتهما وكشف حقيقة ميول البرنامج مؤكدا ان توجهاتهم من البداية كانت ضد الثورة وأغلق الهاتف في وجههما على الهواء.
قائمة المطبلياتية طويلة جداً وتضم العديد من الشخصيات في الإعلام والفن والسياسة والرياضة كل يتلون بطريقته وكل يركب الموجة باسلوبه ، ولكن أعزائي الطبالين عفوا الفرح ليس فرحكم والبلد لم تعد بلدكم.
نقلا عن مصطفى حمدي – جريدة وشوشة المصرية
نشر في عدد ٢١٣ بتاريخ ١٩ ديسمبر ٢٠١١

