اخر الأخبارمقالات

في ذكرى الفتى الأول: كيف ظلم النقد السطحي إرث محمود ياسين؟

تطل علينا ذكرى رحيل الفنان الكبير محمود ياسين لتفتتح من جديد سجالاً نقديًا يتجدد مع كل مناسبة، سجالاً يظلم تاريخ واحدة من أهم القامات الفنية التي عرفتها الشاشة العربية.

إن اختزال مسيرة هذا العملاق في مقولات تبسيطية تدعي ضعف الموهبة أو تنميط الأدوار ينم عن قراءة قاصرة لا تدرك أبعاد الظاهرة السينمائية والفنية التي شكلها محمود ياسين على مدار عقود.

سحر الكاريزما وهيمنة “الفتى الأول”

لم تكن صدارة محمود ياسين لشباك التذاكر والمشهد الفني عقودًا متتالية وليدة المصادفة، بل كانت نتاج مزيج فريد من الكاريزما الآثرة، والحضور الشديد، والنبرة الصوتية الرخيمة التي أصبحت بصمة استثنائية في تاريخ الإذاعة والسينما العربية.

قد يرى البعض أن هناك من أبناء جيله من امتلك تنوعًا أدائيًا مختلفًا، لكن الواقع الفني والتاريخي يؤكد أن محمود ياسين يظل الاستثناء الذي نجح في فرض هيمنته المطلقة كفتى أول بلا منازع.

هذا الحضور الجماهيري الطاغي لم يكن مجرد انطباع عام، بل شهادة أقر بها كبار فناني عصره؛ إذ صرح الفنان القدير نور الشريف في غير موضع بأن سيناريوهات البطولات المطلقة كانت تُعرض أولاً وعلى وجه التحديد على محمود ياسين، وما كان يرفضه أو يعتذر عنه هو ما يُعاد توزيعه على بقية نجوم جيله.

إن هذه الواقعة تدلل بوضوح على حجم الثقة التي أولاها صناع السينما والجمهور العربي لهذا النجم.

تنوع الأدوار بين المسرح والسينما والتليفزيون

أما الادعاء بأنه حصر نفسه في قالب غرامي أو نمطي واحد، فهو ادعاء يتجاهل عمداً سجلاً حافلاً بالتحولات الدرامية والفنية.

لقد وقف محمود ياسين أمام كاميرات كبار المخرجين، وجسد نصوص كبار الكتاب والروائيين، منتقلًا بين ألوان درامية متناقضة:

 في السينما: قدم شخصيات مركبة تناولت قضايا اجتماعية وسياسية ووطنية، ولم يقتصر على الأدوار الرومانسية التقليدية.

 في المسرح: اعتلى الخشبة بلغة عربية رصينة وأداء مسرحي صارم عكس خلفيته الفنية الثقيلة.

 في التليفزيون والإذاعة: ترك بصمات وصوتًا دافئًا ظل حافرًا في ذاكرة المستمع العربي، من خلال مسلسلات وأعمال إعلامية خلدت اسمه.

وهج المهارة وتألق سنوات النضج

ولعل المعيار الحقيقي لعظمة الممثل يكمن في كيفية تعامله مع تقدم العمر وتغير طبيعة الأدوار.

لم يتوارَ محمود ياسين عندما ابتعد عن مرحلة الشباب والفتى الأول، بل إن حضور كاريزمته نضج وازداد ألقًا؛ حيث قدم في مراحل متأخرة من مسيرته أدوارًا تتسم بالعمق والإبهار، مما أثبت أن نسيجه الفني أعمق بثير من مجرد وسامة مرحلة معينة.

رحل محمود ياسين بجسده، لكنه ترك خلفه مدرسة في الأداء والحضور والكاريزما، تجعل من محاولات التشكيك في مكانته مجرد قراءات عابرة أمام جدارية فنية حفرت اسمها بحروف من نور في ذاكرة الفن العربي، لروحه السلام والسكينة.