في ذكرى عرضه التاريخية.. كيف أعاد Mulholland Drive تعريف السينما السريالية وجذب آلاف المشاهدين لعوالم ديفيد لينش؟
تحتفظ الذاكرة السينمائية بأعمال نادرة تتجاوز حدود الشاشة لتصبح ظاهرة ثقافية، ومن بين هذه التحف يبرز فيلم Mulholland Drive للمخرج العالمي ديفيد لينش، والذي مر على عرضه الأول خمسة وعشرون عاماً، ليظل واحداً من أكثر الأعمال تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ الفن السابع.
يمثل هذا العمل ما يمكن وصفه بفيلم البوابة الذي نجح في استقطاب شريحة ضخمة من الجمهور نحو عالم السينما السريالية والطليعية والمعروفة بالـ Avant-garde.
ورغم تعقيد حبكته التي تشكل تحدياً حقيقياً للعقل البشري، إلا أنه تمكن من المزج بين الغموض والجاذبية بطريقة جعلت أصحاب الأذواق المختلفة يقعون في غرام تفاصيله، ويقضون أياماً محاولين فك طلاسمه.
ويكفي دليلاً على هذا الأثر أن منصة يوتيوب تضم آلاف المقاطع التحليلية التي تحمل عنوان تفسير مالهولاند درايف.
تعتمد السيريالية في السينما بالأساس على التحرر الكامل من قيود المنطق السردي التقليدي والخط الزمني المألوف، لتغوص عميقاً في كواليس اللاوعي البشري وعوالم الأحلام والكوابيس، حيث تتداخل الهلوسات والرموز البصرية المعقدة لتقديم تجربة تحاكي اشتغال العقل الباطن بعيداً عن السببية المباشرة.
وفي هذا السياق، يتجسد الطابع السريالي في فيلم لينش من خلال تفكيك الحبكة وخلط الواقع بالخيال ومحو الخطوط الفاصلة بين الحلم واليقظة، إذ تدور الأحداث في متاهة من التحولات الهوياتية والمشاهد الغرائبية، موجهاً المشاهد عبر رموز بصرية مبطنة وتصاعد كابوسي يجعله شريكاً في فك طلاسم لغز شعوري يختبر حدود الإدراك.
يشكل Mulholland Drive نقطة انطلاقة مثالية لكل من يرغب في استكشاف سينما المؤلف أو الـ Auteur cinema، حيث تزخر التجربة بقمم فنية ومشاهد أيقونية تترسخ في الذاكرة ولا يمكن محوها. تبدأ الرحلة من المشهد الاستهلالي الساحر، مروراً بمشهد الرعب الخانق في مطعم وينكيز في عز الظهر، واللقاء العبثي مع شخصية الكاوبوي، مروراً بجملة هذه هي الفتاة، وصولاً إلى المشهد الأخير الساحر والمفجع في نادي سيلينسيو.
تتجلى عبقرية العمل في قدرته على تقديم خلطة موزونة بدقة مذهلة بين الغموض والكوميديا والدراما، مدعوماً بطاقم تمثيلي استثنائي، وتكوينات بصريّة مبهرة، وموسيقى تصويرية تأخذ المتفرج إلى عالم آخر، وكأن كواكب السينما اصطفت لتخرج هذه التحفة في أتم صور الكمال.
وعلى الرغم من أن هذا العمل قد لا يكون الفيلم المفضل الأول لمخرجه مقارنة بكابوس in land empire الذي يمثل بالنسبة للكثيرين درة تاج مسيرة ديفيد لينش وعملها الأعقد والأعظم، إلا أن مكانة Mulholland Drive وتأثيره الفريد يظلان علامة فارقة تستوجب الوقوف احتراماً وتقديراً.

