موسيقى

من وحشة العزلة إلى حضن الونس: قصة عودة فضل شاكر الاستثنائية على خشبة المسرح

حين يبحث المرء عن المعنى الحقيقي لسطوة الصدمة وتأثيرها العميق على النفس والجسد، فلا أصدق من المشهد الذي طالعنا به حفل عودة الفنان فضل شاكر.

ذلك الصوت الذي طالما أحبه الجمهور وعاش معه سنوات طويلة، وقف على المسرح وسط هيبة الإبهار وترحيب الحاضرين، ليقدم درساً بليغاً في أن العزلة لا تستأذن أحداً ولا تعرف ديناً ولا قانوناً.

بدا الجمود ظاهراً عليه في وقفته، وتصلب جسده المستمر فوق خشبة المسرح، والأهم من ذلك كله أن الصوت الجميل الحنون الذي اشتهر به شاكر، بدا مخنوقاً ومحبوساً وخائفاً، ليصدر نشازاً غريباً من قيثارة تعودت على العذوبة والصفاء.

لم يكن الأمر مجرد غياب قسري عن الأضواء لسنوات عديدة، بل كان حصيلة تراكم ثقيل من الأحداث القاسية التي شملت الحرب والموت واللجوء والمطاردات والشائعات والسجن.

ثقل هائل كفيل بهدم أصلب النفوس، وبدا واضحاً في كل تفصيلة صغيرة من وقفته.

لكن وسط هذا الجمود، حدثت ثلاث نقلات درامية وإنسانية متتالية أعادت كتابة المشهد من جديد.

بدأت الأولى باعتراف شجاع وصادق حين قالها ببساطة وسط الحشود إنه خايف، معلناً أن أداءه سيئ بسبب التوتر.

وجاء المشهد الثاني متمثلاً في القبول الهائل والدافئ من الجمهور الذي بادله التشجيع والهتاف والغناء معه، مستقبلاً خوفه بكل ترحيب وسماح.

أما المشهد الثالث والأخير فكان نقطة التحول الفاصلة؛ حين دخل ابنه ورفيق روحه ورفيق تجربته الكاملة ليحضنه ويغني معه، ليحدث السحر الحقيقي.

بدأ الجسد يفك شيئاً فشيئاً ليتحرك ويتمايل مع النغم، وانطلق الصوت المحبوس متحرراً نحو السماء ليتغير الأداء تماماً.

لم يعد الشخص الذي يقف على المسرح هو نفس الإنسان الذي بدأ الحفل خائفاً ومتصلباً قبل دقائق معدودة.

إن الحب والأمان والونس والقبول قادرة حقاً على تغيير المشهد برمته وإعادة الروح إلى مكمنها.

هذا ما يحتاجه أي إنسان مجروح أو مصدوم أو متألم في هذه الحياة؛ مساحة آمنة وسند حقيقي.

نحن لسنا بحاجة لنكون معالجين متخصصين لبعضنا البعض، لكن وجودنا الصادق والأصيل إلى جانب من نحب يمكن أن يكون بداية العلاج وجزءاً أساسياً من الشفاء والعودة إلى الحياة.